تسلا تعود إلى مبدأها الصارم: عندما يتحول مكوّن حاسم إلى عنق زجاجة، ابْنِ الآلة التي تبني الآلة. هذه المرة، المكوّن ليس بطاريات ولا خلايا، بل شرائح ذكاء اصطناعي متقدمة.
الطلب على الحوسبة قفز إلى مستوى غير مسبوق مع شريحة AI5 الجديدة، ما دفع تسلا إلى التفكير بخطوة اندماج رأسي أعمق: مصنع رقاقات مخصص بالكامل يحمل اسم TeraFab.
شريحة AI5 وتضخم الطلب على الحوسبة
AI5 تمثل قفزة جيلية كبيرة مقارنة بالجيل السابق؛ قدرة حوسبة أعلى بنحو 10 أضعاف، وسعة ذاكرة أكبر بحوالي 9 أضعاف، وتحسين في تكميم الكتل يصل إلى 5 أضعاف لتسريع الاستدلال والتدريب.
هذه الشريحة ليست للسيارات فحسب؛ فهي القلب الذي سيغذي مستقبلاً ملايين روبوتات أوبتيموس، إضافة إلى مراكز بيانات ضخمة تستخدم عناقيد حوسبة مبنية على العتاد نفسه. كما أن خطط إنشاء مركز بيانات بقدرة 500 ميجاواط في السعودية قد تزيد شهية السوق لهذه الشرائح.
تستهدف تسلا تسليم عينات مبكرة من AI5 لمختبراتها الهندسية خلال 2026، مع توجّه لبدء الإنتاج الكمي في 2027 إذا سارت خطوط الإمداد والمعدات كما هو مخطط.
العنق الزجاجي في المسابك العالمية
حتى مع حجز سعات تصنيع في مرافق متقدمة لدى TSMC في تايوان وأريزونا، وسامسونج في كوريا وتكساس، تبيّن أن الترتيب رباعي المصانع لا يغطي شهية تسلا من الشرائح.
التحدي الأكبر اليوم ليس المعادن ولا خطوط خلايا البطاريات، بل فجوة في قدرة تصنيع شرائح الذكاء الاصطناعي على أرقى العُقَد التصنيعية، وهو ما يهدد وتيرة تطوير القيادة الذاتية والروبوتات والحوسبة السحابية لدى الشركة.
بحثاً عن جسر قصير المدى لتفادي فجوة المعروض، تدرس تسلا إضافة شريك أمريكي محتمل مثل Intel إلى جانب الشركاء الحاليين، في محاولة لبناء سلسلة توريد أكثر مرونة وتمركزاً داخل الولايات المتحدة.
TeraFab: مسبك رقاقات على منطق مصانع جيجا
الحل النهائي الذي تراه تسلا واضحاً: بناء مسبكها الخاص. TeraFab سيكون مصنع رقاقات عملاقاً مكرساً بالكامل لشرائح الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، تطبيقاً لمنطق مصانع جيجا ولكن على السيليكون.
الرؤية المطروحة تتحدث عن موقع يضم 10 وحدات إنتاج مستقلة، كل وحدة قادرة على تصنيع نحو 100 ألف شريحة شهرياً، مع تموضع كامل داخل الولايات المتحدة لتقليل المخاطر الجيوسياسية وتعقيدات الشحن.
التحدي هائل من حيث رأس المال، والمعدات الفائقة التعقيد، والملكية الفكرية لسلاسل الأدوات، وإتقان العمليات عبر أجيال من العُقَد. ومع أن خبراء الصناعة يحذرون من صعوبة بناء مسبك من الصفر، تراهن تسلا على خبرتها في هندسة التصنيع وبناء سلاسل قيمة جديدة.
نحو حاسوب فائق موزّع
توحيد العتاد بين السيارات ومراكز البيانات يعني أن أسطول تسلا المتوقف يمكن أن يعمل كحاسوب فائق موزّع للاستدلال، بينما يتولى العتاد نفسه التدريب في العناقيد المركزية.
لتحقيق ذلك، ينبغي أن تحصل كل مركبة على شريحة AI5؛ وهنا تظهر أهمية TeraFab لتأمين حجم إنتاج يكفي الملايين من السيارات والروبوتات إذا لم تفِ اتفاقيات التصنيع الخارجية بالطلب.
الأثر الصناعي وسلسلة التوريد
إذا تم تنفيذ TeraFab بالصيغة المتخيلة، فسيكون أكبر مصنع شرائح مخصص لعميل واحد في قطاع الذكاء الاصطناعي، ما يعيد تشكيل سلاسل التوريد ويعزز قاعدة التصنيع المتقدم داخل الولايات المتحدة.
كما قد يفتح الباب أمام منظومة محلية أوسع لموردي الغازات الصناعية، والمواد الكيميائية، وأقنعة الطباعة الضوئية، والخدمات اللوجستية فائقة النقاء، وهو ما يخلق أثراً اقتصادياً عميقاً يتجاوز احتياجات تسلا المباشرة.
الخلاصة: تسلا ترى أن طريق المستقبل يمر عبر امتلاك مفاتيح تصنيع الشرائح ذاتها. ومع تضخم الطلب الذي تقوده AI5، قد يكون بناء TeraFab هو الرهان الوحيد الكفيل بتحويل الرؤية إلى واقع على نطاق تيرابايت وتيرافلوب.

